محمد الغزالي
240
فقه السيرة ( الغزالي )
والغنائم ، ورأى قبل دخولها أن يعجّل البشرى إلى المسلمين المقيمين فيها ؛ لأنهم لا يدرون مما حدث شيئا . فأرسل عبد اللّه بن رواحة وزيد بن حارثة مبشّرين ، يؤذنان الناس بالنصر العظيم . قال أسامة بن زيد : فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان زوجها عثمان بن عفان قد احتبس عندها يمرّضها بأمره صلى اللّه عليه وسلم ، وضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له بسهمه وأجره في بدر « 1 » . محاسبة وعتاب ( في الغنائم ) : برغم ما سجّله التاريخ من تجمّل ومواساة بين الأنصار والمهاجرين ، فإنّ متاعب العيلة ومشكلات الفقر تمشّت خلال المجتمع الجديد ؛ إن سترها التعفف حينا أبرزتها الحاجة حينا اخر ، والأزمات التي تصاحب تكوين دولة من العدم وسط أمم تكيد لها ، وتتربّص بها الدوائر ، يجب أن تتوقع ، وأن توطّن النفوس على احتمالها ، وألا تكون حدّة الشعور بها سببا في ضعف السيرة وعجز الهمة . . وقد اخذ اللّه المسلمين - قبل معركة بدر وبعدها - بأمور بدرت منهم يحبّ لهم أن يتنزّهوا عنها ، مهما بلغ من شدة الدوافع والمبررات لارتكابها . فهم يوم خرجوا من يثرب لملاقاة مشركي مكة تعلّقت أمانيهم بإحراز العير وما تحمل من ذخائر ونفائس . حقا إنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وضحّوا في سبيل اللّه بأنفسهم وأولادهم . . . فليمضوا في طريق الفداء إلى المرحلة الأخيرة ، ومهما عضّهم الفقر بنابه ، فليكن التنكيل بالكافرين أرجح في ميزانهم من الاستيلاء على الغنيمة : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) [ الأنفال ] . ومن هذا القبيل تسابقهم بعد النصر إلى حيازة الغنائم ، ومحاولة كل فريق الاستئثار بها .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البيهقي : 9 / 174 ، بسند صحيح من حديث أسامة ؛ ورواه بنحوه الحاكم : 3 / 48 ، عن الزهري مرسلا ، وفي الباب أحاديث أخرى تراجع في ( المجمع ) : 9 / 83 - 84 .